سجل الزوار

مواقع مختارة

بحث في المجتمع المدني



(1)
مفهوم المجتمع المدني

06-02-2006
يتسم مصطلح المجتمع المدني بغموض شديد، حيث ان هذا المصطلح ليس مصطلحاً علمياً يمكن بالتالي تعريفه بصورة منهجية، بل انه تعبير لغوي، وحتى في هذه الحالة يكتنفه غموض شديد لكثرة شروطه واتساع اهدافه ووظائفه. وبالرغم من كثرة الدراسات في هذا المجال الا ان المفهوم بقي ضبابياً وقابلاً لتفسيرات مختلفة حسب وجهة نظر الباحث وارتباطاته الفكرية. ولو بحثنا في موسوعات الفلسفة فاننا لا نجد مصطلح (مجتمع مدني) بل نجد بها مصطلح (مجتمع) ومصطلح (مدني) كما اننا نجد مصطلح (عصيان مدني) و (قانون مدني) ...... الخ.
وبالقاء نظرة الى التاريخ نجد بان فكرة المجتمع المدني ليست حديثة، فقد تطور مفهوم المجتمع المدني عبر العديد من المراحل،وكان أول ظهور لمصطلح المجتمع المدني بالقاموس اللغوي في الحضارة الإغريقية، ثم غاب طويلاً ليعود مرة في القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر وصولا إلى الوقت الحاضر، وتناول العديد من الفلاسفة والمفكرين هذا المفهوم عن طريق العديد من النظريات في مراحل تأريخية متباينة، واختلف المفكرون وأصحاب النظريات في وضع تعريف محدّد للمجتمع المدني ، كما اختلفوا في تحديد مفهومه وطبيعته ودوره. وهذا الاختلاف يتضح في التعاريف المتعددة التي وضعت للمجتمع المدني من قبل المفكرين.
ان مفهوم المجتمع المدني في بداية ظهوره لم يكن بالصيغة المتطورة المعروفة في الوقت الحاضر، حيث ظهر هذا المفهوم عند ارسطو في كتابه (السياسة) ويشير هذا المفهوم اللاتيني الاصل الى مجموعة سياسية خاضعة للقوانين تشكل مجتمعا سياسياً يعترف مواطنوه بقوانين الدولة ويتصرفون وفقاً لها، حيث دعا أرسطو الى تكوين مجتمع سياسي (البرلمان) تسود فيه حرية التعبير عن الرأي ويقوم بتشريع القوانين لحماية العدالة والمساواة، إلا أن المشاركة في هذا المجتمع السياسي تقتصر على مجموعة من النخب في المجتمع دون إعطاء الحق للمرأة والعمال والغرباء حق المشاركة وحق المواطنة، ويذكر ارسطو ان الإنسان مدني بالطبع وهو حيوان اجتماعي لأنه يملك الشعور بالخير والعدالة وأن سعادته تتحقق في العيش الجماعي في ظل المدينة، أما افلاطون فانطلق في نظريته السياسية من أساس فلسفي يعتمد على أن الفرد له حاجات ذاتية وهو يسعى لإشباع تلك الحاجات ولا يستطيع اشباعها بطريقة فردية لذا نشأ المجتمع المدني نتيجة للشعور بالحاجة الى التعاون من أجل اشباع الحاجات.
وقد تناول العديد من الفلاسفة والمفكرين نظرية المجتمع المدني في افكارهم ونظرياتهم، ومن ابرزهم الفيلسوف الاسكتلندي ( آدم فرجسون ) في كتابه ( مقال في تاريخ المجتمع المدني)( 1767)، توماس باين في كتابه ( حقوق الانسان)( 1791). تبلورت فكرة المجتمع المدني لدى فلاسفة الثورة الانكليزية والفرنسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث ظهرت النواة الأولى لنظرية العقد الاجتماعي على يد الفيلسوف الإنكليزي (توماس هوبز 1588-1679) في القرن السابع عشر، وتطورت النظرية على يد مواطنه الفيلسوف (جون لوك 1632- 1704).
تكاملت النظرية وبلغت صيغتها العلمية الكاملة على يد الفيلسوف الفرنسي (جان جاك روسو 1778- 1712)، بالرغم إن الكثيرين من الفقهاء والمفكرين تناولوا هذه النظرية،فإن هذه النظرية تنسب إلى ( روسو ) والسبب في ذلك يعود إلى أن (روسو) عرض هذه النظرية بوضوح معبراً عن آرائه وآراء من سبقوه بأسلوب ثوري رائع في كتابه الشهير (العقد الاجتماعي).
وقد اختلف ( روسو) عن ( أرسطو) الذي وصف الإنسان بأنه (حيوان اجتماعي ) أو اجتماعي بطبعه ،حيث ذهب روسو إلى أن الاجتماع عامة والاجتماع المدني خاصة هو من إنتاج البشر. وفقا لهذه النظرية كان مفهوم المجتمع المدني مرادفاً لمفهوم المجتمع السياسي أي المجتمع المؤسس. إذن عندما ظهر مفهوم المجتمع المدني في القرن السابع عشر فانه كان يرادف مفهوم (الدولة).
إن نظرية المجتمع المدني الأوربي قامت في منبعها على المفهوم العلماني للمجتمع فنظرية العقد الاجتماعي كانت بداية المناداة بالمجتمع المدني وان المجتمع السياسي (المدني) نشا نتيجة للعقد السياسي بين الحاكم و الشعب وإن السلطة هي نتاج العقد السياسي وقد اصبح مفهوم المجتمع المدني عند هذا الفريق من المفكرين ملازما للعلمانية.
وتناول فلاسفة اخرون، مثل الفيلسوف الالماني (هيجل) و(كارل ماركس)، فكرة المجتمع المدني. وغاب المفهوم ليعود الى دائرة الجدل في تنظير الفيلسوف الايطالي (غرامشي) (1891-1937).
لقد إنتقلت فكرة المجتمع المدني من النطاق النظري الى الواقع العملي ابان الثورة الفرنسية وذلك من خلال رفع الشعارات التي كانت تنادي بالحرية والاخوة والمساواة. ووجدت فكرة المجتمع المدني باكورة تطبيقاتها في منتصف القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة الامريكية، ويعتبر ( توكفيل ) من اوائل المساهمين في هذا المجال وبرزت مساهمته في كتابه ( الديمقراطية في امريكا )(1835).


(2)

المجتمع المدني والحربين العالميتين

في القرن العشرين ظهرت منظمات المجتمع المدني بشكل ملحوظ ، خاصة خلال الحربين العالميتين، على أن عودة مصطلح المجتمع المدني لا تعني أنه يحمل ذات المفهوم السابق ( الذي تناولناه في الحلقة السابقة ) ، لأنه أتى بسياق مختلف تاريخياً وحضاريا، كما أنه يختلف من إيديولوجية لأخرى ومن حضارة لأخرى.اثناء الحرب العالمية الاولى ظهرت بعض مؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية، نتيجة لغياب الرجال عن ميادين العمل وحلول الكادر النسوي محلهم في المصانع. فقد نشأت العديد من الحركات النسوية التي كانت تدعو الى شعارات ديمقراطية كتحرر المرأة والمطالبة بحقوقها وغيرها. فقد ظهرت مؤسسات المجتمع المدني إلى حيز التطبيق بشكل ملحوظ من خلال الاتحادات والتجمعات النسوية وذلك لقيام العديد من النساء بالعمل في المصانع وذهاب العديد من الرجال إلى الحرب مما أدى إلى قيام تجمعات و اتحادات نسويه للمطالبة بحقوقهن وقد خرجت النساء لاول مرة في شباط عام (1917) فقد اندلعت بشكل عفوي في روسيا مسيره نسائية ضخمه نظمتها عاملات وزوجات جنود وغيرهن للمطالبة ( بالخبز لأولادنا ) و (العودة لازواجنا) من المتاريس وبانهاء الحرب، فالحرب ارغمت مئات الالاف من النساء للخروج الى العمل فتعرضوا للإستغلال كونهن نساء في وقت لم يكن لهن حق الاقتراع، هذه الاحداث عرفت بثورة شباط وكانت هذه الثوره الممهد للثوره العمالية الكبرى في التاريخ (ثورة اكتوبر 1917) والتي كونت اول نظام اشتراكي في العالم فكانت قضية تحرير المرأة جزء لا يتجزء من تحرر الطبقة العاملة رغم ان جذور الحركات المطالبة لتحرر المرأة تعود الى القرن التاسع عشر وكانت حصيلة نظال المرأة ومطالبتها بحقوقها من خلال نقابات نسائية ونوادي للمرأة مثلنها في عدة مؤتمرات نسويه ،اذا فالحركات النسائية العالمية تكونت بعد خروج الاف من النساء الى العمل في المصانع وتنظيمهن في نقابات و اتحادات نسائية.
بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، وقد خلفت الحرب آثار سلبية على المجتمعات العالمية ولكن ظهور منظمة الأمم المتحدة عام 1945 كانت إشارة خيرٍ ومستقبل زاهر لأن من أهم أهدافها هو تفهيل دور مؤسسات المجتمع المدني والتي من شأنها أن تعمل على تحقيق الأهداف التي تسعى لها الأمم المتحدة في ميثاقها، كما اقرت جملة من الإتفاقيات الخاصة بحقوق الإنسان ومن ضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 الذي جعل من المجتمع المدني الوسيلة الأساسية التي من خلالها تنتعش الحقوق والحريات الفردية والجماعية من خلال التأكيد على ذلك في مواده القانونية التي تؤكد على حرية تكوين المؤسسات والتجمعات المدنية (غير الحكومية).
نص الاعلان في المادة العشرين منه (أولاً: لكل شخص الحق في حرية الإشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية.
ثانياً لا يجوز ارغام أحد على الإنضمام الى جمعية ما).
إن الأحداث التي تهدد العالم اليوم مثل عدم الإستقرار المالي والكوارث البيئية والإرهاب والمخدرات والأمراض المعدية تؤثر على حياة الناس في كل مكان وبلغت من الحجم حداً أنه ما من بلدٍ يستطيع لوحده أن يتصدى لها وهذه المشاكل البالغة الأهمية تتجاوز الحدود الأقليمية للدول وتناقش من قبل مؤسسات المجتمع المدني الأخذة في الإتساع يوماً بعد يوم ، وقد عقدت مؤتمرات عالمية أعربت من خلالها منظمات المجتمع المدني عن أفكار ومقترحات جديدة ومارست ضغطاً سياسياً ووضعت القواعد والمعايير الدولية وأنشأت الوكالات والآليات التنظيمية بالتدريج وكان التقدم الذي أحرز في العقدين الأخيرين من القرن الماضي في مجال الاعتراف بالحقوق العالمية الأساسية وفي منع الأخطار التي تهدد العالم تقدماً ملحوظاً وكانت العملية المتواصلة لبناء قانون عالمي تمثل قفزة واسعة نحو نظام عالمي جديد يستند على مبادئ وقواعد متفق عليها عالمياً، وقد لعبت الأمم المتحدة دوراً رئيسياً في التشجيع المستمر لمشاركة مؤسسات المجتمع المدني في عمليات الحوار والمداولات التي تؤدي إلى نشوء تنظيمات سياسية اكثر ديمقراطية.

(3)
الديمقراطية

تعتبر الديمقراطية من المسائل الحيوية التي شغلت ولاتزال تشغل الفكر الإنساني وهي مفهوم حديث نسبياً بالمقارنة مع تاريخ البشرية الذي يمتد لملايين السنين وقد شهدت تطوراً متصاعداً ومتعاقباً منذ أول نشوءها مع ازدهار الحضارة الإغريقية. أن الحديث عن الديمقراطية يستلزم في البدء تعريفها و بيان المراحل التاريخية التي مرت بها و المقومات الأساسية التي تقوم عليها .
الديمقراطية كلمة يونانية الأصل تتكون من مقطعين (demos) وتعني الشعب (kratos) وتعني السلطة وبهذا يصبح معناها الحرفي حكم الشعب ، والديمقراطية بمعناها الواسع هي مشاركة الشعب في اتخاذ القرار ومراقبة تنفيذه والمحاسبة على نتائجه ، كما أن الديمقراطية في المفهوم الإجرائي تعني صيغة لإدارة الصراع في المجتمع الطبيعي بوسائل سلمية من خلال قواعد وأسس متفق عليها سلفاً بين جميع الاطراف تضمن تداول السلطة من خلال انتخابات دورية حرة ونزيهة .مرت الديمقراطية بمراحل عديدة عبر التاريخ ، فالنظم الديمقراطية ما هي إلا تطبيق لنظريات فلسفية وممارسات حياتية لأمم و حضارات متعددة و أول من نادى بتطبيق فكرة الديمقراطية هو (ليكورغوس ( lykourgos ) في سنة (800 ق- م ) في مدينة إسبارطة في اليونان وكان يفهم من تعبير الديمقراطية في ذلك الزمن انه حكم لا يستبد به فرد واحد ولا طبقة واحدة ، وأطلق على هذا النوع من الديمقراطية اسم (الديمقراطية المباشرة) لان المواطنين كانوا يجتمعون في مجلس واحد ليناقشوا كل القضايا السياسية المهمة مناقشة مباشرة ويصدر المجلس قراراته بالأغلبية وكان يحرم من المشاركة في هذه العملية النساء و الرقيق وكل من كان من اصل غير أثيني مهما طال مكوثه فيها. أما في دولة مدينة أثينا فقد طبقت الديمقراطية المباشرة في حدود سنة(500 ق- م ) واستمرت قرابة (200 عام ) وكان دستور أثينا يوكل الأمر إلى جماعة متكونة من ( 500) عضو يتم اختيارهم من أبناء البلد الأحرار على أساس (50) شخص من كل قبيلة من القبائل العشر المكونة للمجتمع الاثيني آنذاك ولم تكن الديمقراطية هذه مذهبا قائما على الحقوق الإنسانية أو منظورا فيه إلى حالة غير حالة الحكومة الوطنية ،وكانت المساواة التي تعرض إليها الفلاسفة اليونان هي مساواة وطنية وليست إنسانية فقصروها على أبناء اليونان ولم يشركوا فيها الغرباء أحرارا كانوا أم عبيد.
إن التطور المهم للديمقراطية قد حصل في القرن الثامن عشر حيث ظهرت الديمقراطية النيابية (غير المباشرة) عندما بشر المفكرين بفكرة المساواة وطالبوا بحق الشعب في اختيار ممثليه الذين يمارسون السلطة فيختار الشعب حكومته ويشرف عليها عن طريق ممثليه ،و كانت لنظرية العقد الاجتماعي التي أتى بها (روسو) دور كبير في نشر الأفكار الديمقراطية وقيام الثورة الفرنسية التي كان من أهم أهدافها (الحرية و الاخوة و المساواة) حيث أصبحت فرنسا أول نموذج ديمقراطي معاصر ، كما نقلت أفكار الثورة الفرنسية بعد ذلك إلى أمريكا أبان فترة الثورة الأمريكية حيث اعتمدتها كأساس في دستورها لما تحويه من مبادئ ديمقراطية وإنسانية متطورة ، وقد أصبحت أفكار الثورة الفرنسية بعد ذلك من الدعائم الأساسية التي قامت عليها إعلانات حقوق الإنسان الوطنية والعالمية وأصبحت نصوصها إلزامية في دساتير الدول الديمقراطية .
الديمقراطية تعني ضمان ممارسة الانسان لكافة حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية وان الفصل بين مضامينها او تغيب بعضها يعني تشويهها وبترها او تهميشها فلا يمكن تحقيق الديمقراطية الاجتماعية في غياب الديمقراطية السياسية لان ذلك يعني المزيد من الاستبداد السياسي وترسيخ الجمود الفكري . و للديمقراطية مقومات و أركان تقوم عليها و لا يمكن تصور قيام الديمقراطية بدونها واهم هذه المقومات هي:
1 -إقرار مبدأ سيادة القانون
يعتبر هذا المبدأ من المقومات الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية ويقصد به : انه لا سلطة تعلو على القانون في الدولة ، فالقانون هو الذي يحكم الدولة( حكام ومحكومين) و يحدد مهامهم وسلطاتهم ،ويعتبر من المبادئ التي نادت بها الثورة الفرنسية وفلاسفتها ، فالقانون هو تعبير للإرادة العامة ويضعه ( روسو) في مصاف المقدس ويرى فيه مناط العدالة و الحرية والعلاج الوحيد لنزوات البشر وتعسف الحكام ،ونتيجة لذلك أقر هذا المبدأ كنص أساسي في دستور الثورة الفرنسية لأنه يعتبر ضمانة لحقوق المواطنين وحرياتهم.
2 - قيام دولة المؤسسات التي تقوم على اعتبار أن الدولة تتكون من عدة مؤسسات تكون حرة في عملها وقراراتها و مستقلة عن سلطة الدولة ولكنها لا تخرج على دستورها.
3- استقلال القضاء والفصل بين السلطات إن استقلال القضاء ضمانة أساسية لقيام الديمقراطية حيث لا سلطة على القضاء إلا القانون كما إن للفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية ) أهمية كبيرة في إشاعة الديمقراطية ولا يجوز أن تكون جميع السلطات مركزة في يد شخص واحد أو سلطة واحدة داخل الدولة مما يؤدي إلى استبدادها في الحكم وقيام الدكتاتورية.4 - الاعتراف بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية إن ضمان حقوق الانسان وحرياته الاساسية والتي نصت عليها اتفاقيات ومواثيق حقوق الانسان العالمية تعتبر أساساً في قيام المجتمع الديمقراطي ومن هذه الحريات حرية الرأي وحرية الصحافة و حرية تكوين الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية لان التعددية الحزبية ضمن أيدولوجيات ديمقراطية داخل المجتمع أمر مشجع على قيام الديمقراطية الصحيحة كما إن قيام مؤسسات المجتمع المدني كالمنظمات والاتحادات والنقابات داخل الدولة وإنهاء الوصاية عليها من قبل الحكومة يلعب دوراً في إنجاح العملية الديمقراطية وقيام المجتمع المدني لما تلعبه هذه المؤسسات من دور في العملية الديمقراطية حيث تكون هذه المؤسسات العين الساهرة على الحكومة في الكشف عن عيوبها ومساوئها والدعوة إلى معالجتها وإصلاح المجتمع من خلال نقدها للحكومة بأسلوب علمي ديمقراطي بناء .5 - اعتماد مبدأ الانتخابات العامة:
أن انتخاب الشعب للأشخاص الذين يمثلونه تعتبر ضمانة لتحقيق الديمقراطية و تداول السلطة من خلال انتخابات دورية حرة محددة المدة، حيث يجب إن تحدد الفترة أو الدورة الانتخابية للسلطتين التشريعية والتنفيذية على إن تكون هذه الفترة معقولة حتى لا تودي إلى احتكار شخص أو أشخاص للسلطة واستبدادهم فيها مما يؤدي إلى قيام الدكتاتورية داخل الدولة، كما إن الانتخابات تودي إلى قيام حكم محلي ديمقراطي حقيقي يقوم على انتخاب المجالس المحلية ورؤسائها وإعطاء المحليات على كافة المستويات (قرية- مدن- محافظات ) صلاحيات فعلية في اتخاذ القرار والتنفيذ وتدبير موارد مالية محلية .
6- توفير حد أدنى من الدخل يضمن المستويات الغذائية و الصحية و التعليمية و السكنية اللازمة لحياة كريمة من خلال الالتزام بإقرار الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية التي على الدولة الالتزام بها تجاه الشعب ،ومشاركة العمال في إدارة الوحدات الإنتاجية لضمان إنتظام العملية الإنتاجية وتعميق التفاهم بين العمال والإدارة حول الشروط الواجب توفرها لاستقرار العمل، ومشاركة المستفيدين في إدارة وحدات الخدمات بحيث ينتخب المنتفعون من خدمات الوحدة الصحية أو المستشفى أو المدرسة ...الخ مجلسا يشارك في تطوير وتحسين الخدمة وكذلك في المرافق العامة .7 - تبني مفهوم جديد للتنمية يقوم على التنمية للشعب بالشعب وتوفير ضرورات الحياة للمواطنين و التوزيع العادل لعائد التنمية وبذلك تجمع التنمية بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسي.


(4)
العلاقة بين الديمقراطية والمجتمع المدني


يعتبر المجتمع المدني احد اهم معالم النظام الديمقراطي وتعتبر الديمقراطية هي الدواء السياسي الفعال لأحياء المجتمع المدني وتطويره ، لذا فالعلاقة بين الديمقراطية والمجتمع المدني هي علاقة تبادلية حيث لايمكن تحقيق الديمقراطية بدون وجود مؤسسات المجتمع المدني...
و لايمكن أن يزدهر المجتمع المدني الا في دولة ديمقراطية. ان الديمقراطية كانت ولاتزال ضرورة لكل عصر ولكل مجتمع حيث ان كيان الانسان يتحدد بمجموعة من الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والثقافية ضمن الاطار الديمقراطي الذي يضمن لأفراد المجتمع ممارسة تلك الحقوق والحريات وقيام مؤسسات المجتمع المدني الاقتصادية (شركات وبنوك ) والاجتماعية (نقابات وروابط واتحادات ) والسياسية (احزاب ومجالس منتخبة ) والثقافية (مدارس وجامعات ومراكز ابحاث) فالديمقراطية تعتبر طريقة مثلى لتنظيم العلاقات داخل المجتمع تنظيما عقلانيا فهي توجه الصراع والمنافسة المشروعة لخدمة وتطوير المجتمع . أن دور الافراد في ممارسة حقوقهم في اختيار ومراقبة السلطة الحاكمة وممارسة نشاطاتهم الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية من خلال مؤسسات مستقلة عن سيطرة ونفوذ السلطة لن يتحقق الا في ظل النظام الديمقراطي و يجب علينا ان لاننسى دور المجتمع المدني وقيمته ومكانته في تحقيق التنمية الديمقراطية والدفاع عن حقوق الانسان وترسيخ قواعد الحوار والتعددية واحترام الرأي والرأي الاخر.
ان هذه العلاقة بين متطلبات تكوين المجتمع المدني والديمقراطية تتطلب ترسيخ القيم الديمقراطية حتى تصبح جزءاً فعالاً في ثقافة المجتمع وتدفعه لبناء مجتمع مدني يواكب مستلزمات العصر في الانفتاح والتطور، فالديمقراطية هي كفالة ممارسة الانسان لحقوقه وحرياته في الرأي والتفكير وفي عقيدته وضميره وعلاقاته وسلوكه ومدى ايمان النظام السياسي (الاحزاب الحاكمة والمعارضة ) بحق المجتمع بحقوقه وحرياته في ظل دولة متمدنة تقوم على اساس التعددية السياسية والفكرية وحرية اقامة التنظيمات والمؤسسات السياسية وغير السياسية واحترام تداول السلطة بصورة سلمية . من هنا فالديمقراطية تدعم مؤسسات المجتمع المدني والمجتمع المدني هو البيئة الطبيعية التي تنمو في احظانها الديمقراطية وموسساته الدستورية .
ان تعميق الممارسة الديمقراطية ودعمها في المجتمع تعتبر عامل اساسي في تحرير الدولة من نظام القبيلة والاسرة والحزب الواحد (الانظمة الدكتاتورية ) فالدكتاتورية تؤدي الى حدوث فجوة هائلة بين سياسة السلطة الحاكمة والمجتمع ، لان هدف الدكتاتور الاول والاخير هو المحافظة على نظامه بكل الطرق والوسائل دون الاخذ بنظر الاعتبار مصالح المجتمع ورغباته وتطلعاته في حين ان المجتمع المدني هو حصيلة التفاعل بين فئات وقوى ومكونات المجتمع حيث تساهم هذه المكونات في اختيار نوعية السلطة القادرة على تحرير المجتمع من تناقضاته وتفجير طاقاته لبناء قواعد الحضارة المدنية وهذا لا يتوفر دون توفر الديمقراطية .
تتم ممارسة الديمقراطية من خلال مؤسسات المجتمع المدني التي تعتبر جزءا من العملية الديمقراطية ،فهذه المؤسسات تعتبر من اهم قنوات المشاركة الشعبية بالرغم من انها لا تمارس نشاطاً سياسياً مباشراً و انها لا تسعى للوصول الى السلطة السياسية الا ان اعضاء هذه المؤسسات هي اكثر قطاعات المجتمع استعداداً للانخراط في النشاط السياسي الديمقراطي . ان تعثر التحول الديمقراطي في أي بلد يرجع الى غياب او توقف نمو المجتمع المدني وما يستتبعه من تعزيز القيم الديمقراطية و ازدهار ثقافة مدنية ديمقراطية توجه سلوك المواطنين في المجتمع و تهيئتهم للمشاركة في الصراع السياسي وفق هذه القيم .
ان الدور الهام للمجتمع المدني في تعزيز التطور الديمقراطي و توفير الشروط الضرورية لتعميق الممارسة الديمقراطية و تأكيد قيمها الاساسية ينبع من طبيعة المجتمع المدني وما تقوم به مؤسساته من دور و مهام في المجتمع لتصبح بذلك بمثابة البنية التحتية للديمقراطية كنظام للحياة و اسلوب لتيسير المجتمع ، وتمارس مؤسسات المجتمع المدني في حياتها الداخلية جملة من النشاطات والممارسات الديمقراطية ومن اهم هذه الممارسات :-
1- القيام بنشاط جماعي ضمن حقوق و واجبات محددة للاعضاء .
2- التعبير عن الرأي و تقبل الرأي الاخر و المشاركة في المنافسات و المشاركة في اتخاذ القرارات داخل هيئات المنظمات .
3- ممارسة العضو لحقوقه في التصويت و الترشيح من خلال المشاركة في الانتخابات لاختيار مسؤولي المنظمات و قبول نتائج الانتخابات سواء كانت موافقة لرأي العضو أو غير موافقة لرأيه .
4- يلعب العضو دورا في أهداف النشاط و متابعته و تقييمه و مراقبة اداء الهيئات القيادية للمنظمة .
وتقوم مؤسسات المجتمع المدني بجملة من الوظائف لا تقتصر نتائجها على العمل المباشر لهذه المؤسسات بل تمتد الى المجتمع كله فتوفر لاعضائها خبرات هامة للممارسات الديمقراطية و من هذه الوظائف:-
أولاً :- وظيفة تجميع المصالح
عن طريق هذه الوظيفة يتعلم الاعضاء كيفية بحث مشاكلهم و دراسة الاوضاع القائمة في المجتمع و تحديد كيفية الحفاظ على مصالحهم في مواجه مصالح الفئات الاخرى . كما يكتسبون قدرة متزايدة على التفاوض على هذه المصالح مع الاطراف الاخرى و هذه كلها خبرات ضرورية لممارسة الديمقراطية على مستوى المجتمع كله .
ثانياً:- وظيفة حل النزاعات
ان الناشطين في مؤسسات المجتمع المدني ينبذون العنف كأداة للتغيير وينتهجون السبل الديمقراطية في تحقيق ذلك ، فمن خلال مؤسسات المجتمع المدني يتم حل معظم النزاعات الداخلية بين أعضاءها بوسائل سلمية دون اللجوء الى الدولة و أجهزتها ، وبنجاح الاعضاء في حل منازعاتهم بالطرق الودية داخل المؤسسات المدنية فانهم بذلك يكتسبون الخبرة و الثقافة و الاعتراف بالاخر و بحقوقه و مصالحه و الحوار معه و الوصول الى حلول وسط من خلال التفاوض .
ثالثا:- تحسين أوضاع الأعضاء و زيادة ثروتهم
من خلال هذه المهمة تقوم مؤسسات المجتمع المدني بتوفير الفرص للاعضاء لممارسة نشاط يؤدي الى زيادة دخلهم عن طريق المشروعات التي تنفذها الجمعيات التعاونية الانتاجية و النشاط الذي تقوم به الجمعيات التعاونية الاستهلاكية و غيرها من المشروعات المدرة للدخل التي تقوم بها الجمعيات ،و مشروعات التدريب المهني الذي تقوم بها النقابات المهنيه و العمالية لزيادة مهارات و قدرات اعضاءها مما يمكنهم من تحسين ظروف عملهم و زيادة دخولهم .
ان تمتع المواطنين باوضاع أقتصادية جيدة و قدرتهم على تأمين مستوى دخل مناسب لاسرتهم يساعدهم على ممارسة النشاط السياسي و الاهتمام بالقضايا العامة للمجتمع و على العكس فان سوء الاحوال الاقتصادية يشغل الناس في البحث عن لقمة العيش و بالتالي عدم توفر الوقت الكافي لهم للمشاركة السياسية الامر الذي يعطل التطور الديمقراطي للمجتمع .
رابعاً:- أعداد القيادات الجديدة
لكي يواصل المجتمع تقدمه فهو بحاجة دائمة لاعداد قيادات جديدة من الاجيال المتتالية حيث يتطور المجتمع و تنضج حركته بقدر ما يتوفر فيه من قيادات مؤهله للسير الى الامام باستمرار. والقائد هو ذلك الشخص الذي يتمتع بنفوذ حقيقي على جماعة من الناس تثق به و تسعى اليه كلما واجهتها مشكلة ما ، حيث تتلمس منه الحل لهذه المشكلة ،ان ثقة الجماهير في القائد لا تأتي من فراغ بل تتم عبر فترة زمنية مناسبة تختبر خلالها قدرته و قابليته على فهم مشاكلها و كيفية حلها وعلى قدرة تفاعله مع الجماعة و خدمته لها فانه يكتسب شعبيته بين أفرادها .
ان تكّون قيادات بهذا المفهوم يبدأ داخل مؤسسات المجتمع المدني ، حيث تعتبر هذه المؤسسات مصدراً لامداد المجتمع بالقيادات الجديدة وقد دلت التجارب بان القيادات النشطة في مؤسسات المجتمع المدني تعتبر القاعدة الاساسية التي تخرج منها قيادات المجتمع المستقبلية ابتداء من اعضاء المجالس المحلية الى البرلمانيين في المجالس التشريعية الى قيادات الاحزاب على كل المستويات بذلك فان مؤسسات المجتمع المدني تساهم في دفع التطور الديمقراطي بالمجتمع من خلال هذه الوظيفة المهمة .
خامسا:- نشر الوعي المدني و الديمقراطي
من الوظائف المهمة التي تؤديها مؤسسات المجتمع المدني هي نشر الوعي المدني و الديمقراطي في المجتمع ،أحترام قيم النزوع للعمل الطوعي ،العمل الجماعي ،قبول الاختلاف بين الذات و الاخر ، حل النزعات بطرق سلمية على اساس الاحترام و التسامح و التعاون و التنافس السلمي بالاضافة الى الالتزام بالمحاسبة و الشفافية في العمل و هذه القيم في مجملها تعتبر قيم الديمقراطية و هي خطوة هامة على طريق التطور الديمقراطي للمجتمع و بدون توافر هذه القيم يستحيل بناء مجتمع مدني ديمقراطي .كما يستحيل بناء هذا المجتمع دون الاعتراف بحقوق الانسان الاساسية و بالاخص حرية الراي و التعبير و التجمع و التنظيم و بذلك فان مهمة المجتمع المدني هي نشر الثقافة المدنية و تطوير التحول الديمقراطي . وتتأكد هذه المهمة ايضاً في نشر هذه الثقافة من خلال الحياة الداخلية لمؤسسات المجتمع المدني حيث تدرب أعضاءها على هذه القيم .
الحقوقي ديندار شيخاني
كاتب وناشط في مجال حقوق الانسان والمجتمع المدني

0 التعليقات:

رئيس التحرير

.:: تجد هنا أرشيف موقع ديندار::.

ترجم الموقع

English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean

آخر المواضيع

مدونة قيدار

عدد الزائرين

المتواجدون على الموقع